أبي منصور الماتريدي
543
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الظالمون علوّا كبيرا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 114 إلى 115 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 ) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) وقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ . يقول : لا أحد أظلم لنفسه ، ولا أوضع لها . وقوله : مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ . اختلف فيه : قيل : مساجد الله : الأرض كلها ؛ لأن الأرض كلها مساجد الله ؛ كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » « 1 » منع أهل الكفر أهل الإسلام أن يذكروا فيها اسم الله ، وأن يظهروا فيها دينه . وقوله : وَسَعى فِي خَرابِها . وهو كقوله : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً [ المائدة : 33 ] . ويخرج قوله : أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ . أي : لا يدخلون البلدان والأمصار إلا بالخوف ، أو بالعهد ؛ كقوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [ آل عمران : 112 ] وهو العهد . ويحتمل قوله : ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ : ما كان ينبغي لهم - بما عليهم من حق الله ، وتعظيمه - أن يدخلوا المساجد إلا خائفين وجلين ؛ لما كانت هي بقاع اتخذت لعبادة الله ، ونسبت إليه تعظيما لها ؛ فدخلوا مخرّبين لها ، مانعين أهلها من عبادة الله فيها . وقيل « 2 » : مساجد الله : المسجد الحرام . وذلك أنهم حالوا بينها وبين دخول محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فيها ، حتى رجعوا من عامهم ذلك . ثم فتح الله - عزّ وجل - مكة لهم ، فصار لا يدخلها مشرك إلا خائفا ؛ كقوله - عز
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 1 / 371 ) كتاب المساجد ( 5 / 523 ) ، وأحمد ( 2 / 411 ) ، والترمذي ( 3 / 212 ) ، أبواب السير ، باب ما جاء في الغنيمة ( 1553 ) ، وابن ماجة ( 1 / 454 ) كتاب الطهارة وسننها ، أبواب التيمم ( 567 ) ، عن أبي هريرة . وله طريق آخر عند البخاري ( 14 / 171 ، 172 ) كتاب الاعتصام ، باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « بعثت بجوامع الكلم » ( 7273 ) وليس فيه موضع الشاهد . ( 2 ) قاله ابن زيد أخرجه ابن جرير عنه ( 1828 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 204 ) .